السيد محمد الصدر

398

تاريخ الغيبة الصغرى

- 3 - يستحيل أن تكون العلة للكون ، هي حصول الكمال في ذات الخالق ، أو حصول نفع له بأي شكل من الأشكال : بعد أن برهن في بحوث العقائد الاسلامية ، أنه هو الكامل المطلق المستغني عن كل شيء ، وليس في ذاته حالة متوقعة يمكن حصولها بمثل هذه المقدمات . وإنما تعود العلة الغائية ، ويتعلق ( الهدف ) بالكون نفسه ، وهو - كما سبق أن عبرنا - : وصوله إلى كماله الممكن له ، يعني أحسن حالة واقعية يمكن أن يصل إليها الكون في طريق حركته نحو الأفضل . وهذه الحالة الواقعية ليس لها تحديد حدي ، لأن مراتب الكمال المعقولة أو الممكنة ، كثيرة جدا أو غير متناهية ؛ إذن ، فكل ما في الأمر : أن الكون يتكامل ويتكامل بالتدريج المستمر ، نتيجة لعوامل معينة ، ومهما وصل إلى مرتبة من الكمال ، طرق باب المرتبة اللاحقة ، وهكذا ، ولكنه يستحيل أن يصل إلى اللا نهاية ، كما قام البرهان عليه . وحسبنا من ذلك الآن ، أن نعرف : أن هناك مراتب عليا من الكمال الكوني ، يقصدها الكون بحركته نحو الأفضل ، طبقا لتدبير الخالق وتخطيطه . وقد ألمعنا فيما سبق إلى أننا لا نستطيع أن ندرك كنه تلك الحالة الواقعية وتفاصيلها ، ما دمنا موجودين في ضمن المرحلة المعاصرة والحالة الحاضرة ، ومحددين من كل جهاتنا بحدود زمانية ومكانية وفكرية لا فكاك لنا منها « 1 » . - 4 - وإذا طبقنا هذه العلة الغائية على البشرية ، أمكن ذلك أيضا ، بل هو

--> ( 1 ) وقد يخطر في الذهن : انه لما ذا لم يوجد الخالق الكون كاملا من أول مرة ، فيكون في غنى عن مقدمات سيره نحو الكمال ، التي قد تكون بعضها في غاية الصعوبة . وجواب ذلك ممكن في عدة وجوه نذكر منها اثنين : أولا : ان إيجاد الكون كاملا ابتداء ، ان كان معناه وجوده لا نهائيا ومطلقا من جميع الصفات ، فهذا مستحيل كما تم البرهان عليه في محله . وإن كان معناه وجوده دون اللا نهاية ، فمعنى ذلك بقاء خطوات لا نهائية وسلسلة غير محدودة من خطوات التكامل أمامه ، لم يطرقها بعد ، ويكون له أن يسير فيها دون أن يبلغ آخرها . فقد عدنا إلى التكامل ومقدماته التي هرب منها السائل . ثانيا : اننا نحتمل - على أقل تقدير - ان إيجاد الكمال بعد المقدمات الطويلة والصعبة ، أصلح وأحسن إنتاجا من إيجاد الكمال من أول الأمر ، ومن هنا وقع الاختيار عليه .